فخر الدين الرازي

90

شرح عيون الحكمة

فان قالوا : الخطان إذا تداخلا ، فإنما يتداخلان في جانب العرض . فالخط لا مقدار له في جهة العرض ، والسطحان إذا تداخلا فإنما يتداخلان في جانب العمق ، والسطح لا مقدار له في جانب العمق . فثبت : أن الأشياء التي ينفد بعضها في بعض فإنه ليس لها مقدار البتة من الاعتبار الذي حكمنا عليه بالتداخل ، بخلاف مسألتنا هذه . فان الأبعاد لو تداخلت لكان لها مقدار من حيث إنها صارت متداخلة ، فوجب أن يحصل الازدياد في المقدار . فنقول : حينئذ يعود البحث الأول وهو أن الازدياد في المقدار ، انما يحصل لو امتنع النفود بالكلية ، وأنتم بينتم امتناع النفود بالكلية على وجوب الازدياد في المقدار ، فيلزم الدور . وهو محال . * * * قال الشيخ : « ولو كان الخلاء موجودا ، لما كان يختص فيه الجسم المحيط الا بجهة تتعين . والأجسام التي في الإحاطة انما تتعين جهاتها بجهة هذا المحيط ، فيجب أن يكون لهذا المحيط جهة . إذا لذاته ليس له جهة ، بل بحسب شئ آخر » التفسير اعلم : أن هذه هي الحجة الثانية على نفى الخلاء . وتقريرها : أن نقول : لو حصل الخلاء خارج العالم ، لكان ذلك الخلاء متشابه الأجزاء في تمام الماهية ولوازمها . ولو كان كذلك ، لكان حصول العالم في بعض أجزاء ذلك الخلاء مع جواز حصوله في سائر أجزاء ذلك الخلاء ، ترجيحا لأحد طرفي الممكن على الآخر من غير مرجح « 4 » وانه محال . فنفتقر في تقرير هذه الحجة إلى مقدمات : المقدمة الأولى : انه لو حصل الخلاء ، لكان ذلك الخلاء غير متناه . ولقائل أن يقول : ألستم قلتم : انه ليس خارج العالم لا خلاء ولا ملاء ؟ فلم لا يجوز أن يقال : الخلاء الموجود ( هو ) مقدار متناه . وهو

--> ( 4 ) ذكر الشارح أدلة القائلين باستواء طرفي الممكن من غير مرجح في المطالب العالية في أكثر من كتاب منه .